ابن عساكر

339

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

في ظلّها ، ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرى يسأله عن شيء ، فقال له : من الرجل الذي في ظلّ السّدرة ؟ فقال له : ذلك محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ، فقال : هذا واللّه نبي ، ما استظلّ تحتها بعد عيسى بن مريم إلّا محمد . ووقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق ، فلما نبّئ النبي صلى اللّه عليه وسلم اتّبعه « 1 » . حدث أبو داود سليمان بن موسى « 2 » : أن أبا طالب عمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج به إلى الشام ، فلما مروا بقرية يقال لها : ميفعة من أرض البلقاء ، وفيها راهب يقال له : بحيرى ، فخرج إليهم بحيرى ، وكانوا قبل ذلك يقدمون فلا يخرج إليهم ولا يلتفت ، فجعل يتخلّلهم « 3 » حتى انتهى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : هذا سيّد العالمين ، هذا رسول ربّ العالمين ، هذا الذي بعثه اللّه رحمة للعالمين . فقال شيوخ من قدم معه من قريش : وما علمك ؟ قال : علمي أنكم لما أشرفتم من العقبة لم يبق شجرة ولا حجر إلّا خرّ ساجدا ولا يسجد « 4 » إلّا لنبي ، وأعرفه بالصّفة وبخاتم النبوة مثل التفاحة أسفل من غضروف كتفه ، ثم انطلق بحيرى فأتاهم بطعام « 5 » ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم في رعيه إبل أصحابه ، فقال : أرسلوا إليه ، فأرسلوا إليه ، فقال بحيرى : انظروا عليه غمامة تظله ! فانتهى إليهم وقد علموه على الشجرة فيء الشجرة ، فجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومال إليه فيء الشجرة ، فقال : انظروا إلى فيء الشجرة كيف مال إليه ! فبيناهم يأكلون وهو قائم عليهم ؛ إذ هو بفوارس « 6 » من الروم مقبلين ، فلما رآهم بحيرى استقبلهم ، فقال : ما جاء بكم ؟ فقالوا : جئنا لأنه بلغنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر ، فلم يبق طريق من طرق الروم إلّا وقد بعث عليه قوم وبعثنا إلى هذه الطريق . فقال : ما وراءكم أفضل لكم ، قال : أرأيتم أمرا أراد اللّه أن يمضيه يستطيع أحد ردّه ؟

--> ( 1 ) رواه ابن الأثير في أسد الغابة 1 / 199 عن ابن عباس . وقال ابن الأثير : أخرجه ابن منده وأبو نعيم . ورواه ابن حجر في الإصابة 1 / 210 ( ط دار الفكر ) والسيوطي في الخصائص 1 / 145 - 146 . وعقب ابن حجر بقوله : فهذا إن صح يحتمل أن يكون في سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب . ( 2 ) رواه البيهقي في دلائل النبوة 2 / 24 بسنده إلى أبي موسى الأشعري . وأبو نعيم في دلائل النبوة ص 170 رقم 109 . ( 3 ) تخللهم : دخل بينهم . ( تاج العروس : خلل ) . ( 4 ) كذا ، وفي دلائل البيهقي : يسجدان . ( 5 ) في دلائل البيهقي وأبي نعيم : ثم رجع فصنع لهم طعاما ، فلما أتاهم به . ( 6 ) في دلائل أبي نعيم : فإذا هو بسبعة نفر ، وفي دلائل البيهقي : بتسعة نفر .